الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

519

تفسير روح البيان

تفسير سورة الإيلاف اربع آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم لِإِيلافِ قُرَيْشٍ متعلق بقوله تعالى فليعبدوا وهو قول الزجاج والفاء لما في الكلام من معنى الشرط إذ المعنى ان نعم اللّه عليهم غير محصورة فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة فالايلاف تعدية الألف مصدر من المبنى للمفعول مضاف إلى مفعوله الأول مطلقا عن المفعول الثاني الذي هو الرحلة كما قيد به في الإيلاف الثاني يقال الفت الشيء بالقصر وآلفته بالمد بمعنى لزمته ودمت عليه وما تركته فيكون كل من الألف والإيلاف لازما ويقال أيضا آلفته غيرى بالمد اى ألزمته إياه وجعلته يألفه فيكون متعديا قال في تاج المصادر الإيلاف الف دادن والف كرفتن . وضد الإيلاف والإيناس هو الايحاش وقيل متعلق بما قبله من قوله فجعلهم كعصف مأكول ويؤيده انهما في مصحف أبى رضى اللّه عنه سورة واحدة بلا فصل فيكون الإيلاف بمعنى الألف اللازم فالمعنى أهلك اللّه من قصدهم من الحبشة لان يألفوا هاتين الرحلتين ويجمعوا بينهما ويلزموا إياهما ويثبتوا عليهما متصلالا منقطعا بحيث إذ فرغوا من ذه أخذوا في ذه وبالعكس وذلك لان الناس إذا تسامعوا بذلك الإهلاك تهببوا لهم زيادة تهبب واحترموهم فضل احترام فلا يجترئ عليهم أحد فينتظم لهم الا من في رحلتيهم وكان لقريش رحلتان يرحلون في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام فيمتارون ويتجرون وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم اللّه وولاة بيته العزيز فلا يتعرض لهم والناس بين متخطف ومنهوب وذلك ان قريشا إذا أصاب واحدا منهم مخمصة خرج هو وعياله إلى موضع وضربوا على أنفسهم خباء حتى يموتوا وكانوا على ذلك إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف وكان سيد قومه فقام خطيبا في قريش فقال إنكم أحدثتم حدثا تقلون فيه وتذلون وأنتم أهل حرم اللّه واشرف ولد آدم والناس لكم تبع قالوا نحن تبع لك فليس عليك منا خلاف فجمع كل بنى أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام لان بلاد اليمن حامية حارة وبلاد الشام مرتفعة باردة ليتجروا فيما بدا لهم من التجارات فما ربح الغنى قسم بينه وبين فقرائهم حتى كان فقيرهم كغنيهم فجاء الإسلام وهم على ذلك فلم يكن في العرب بنوا أب أكثر مالا ولا أعز من قريش وكان هاشم أول من حمل السمراء من الشام وقريش ولد النضر بن كنانة ومن لم يلده فليس بقرشي سموا بتصغير القرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن وتقلبها وتضربها فتكسرها ولا تطاق الا بالنار فشبهوا بها لأنها تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى والتصغير للتعظيم فكأنه قيل قريش عظيم وقال بعضهم الأوجه ان التصغير على حقيقته لأنه إذا كان القرش دابة عظيمة والقرش مع صغر حجمه جعل قرشا فهو لا محالة قريش وفيه ان جعل قريش قريشا لم يكن لمناسبة الحجم بل كان لوصف الآكلية وعدم المأكولية ووصف الغلبة وعدم المغلوبية وهذان الوصفان يوجد ان في تلك الدابة على وجه الكمال